«أبقي على طبيعتكِ.. وأبقي منضبطة»: المرأة القطرية بين التراث والابتكار والهوية

خمس سيدات قطريات ملهمات يتحدثن عن ما يعنيه الوطن بالنسبة لهُن، وكيف أسهم بدور حيوي في رحلتهن.

الاحتفاء بإنجازات المرأة القطرية في اليوم العالمي للمرأة

خمس سيدات قطريات ملهمات يتحدثن عن ما يعنيه الوطن بالنسبة لهُن، وكيف أسهم بدور حيوي في رحلتهن.

يُمثل اليوم العالمي للمرأة، الذي يُحتفل به في 8 مارس من كل عام، مناسبة للتأمل في الأثر الذي تصنعه أجيال من النساء في مختلف المجالات وتقدير هذا الأثر. وقد تحدّثنا مع خمس نساء قطريات استثنائيات حوّلن شغفهن إلى رسالة، عن تجاربهن ودوافعهن والأفكار التي ما زالت ترشدهنّ حتى اليوم.

الفتون الجناحي، رائدة أعمال

بناء علامات تجارية إبداعية ذات جذور متأصلة في هويتنا

Alftroon.jpg

"كانت رؤيتي دائمًا قائمة على السرد والأصالة والتعبير عن الذات. وأرى في التصميم والإبداع أدوات لتمكين الناس -وخاصةً النساء- ليشعرن بالثقة والارتباط بهويتهن الحقيقية. وسواءٌ تحدثنا عن عالم الأزياء أو الجمال أو المشروعات الإبداعية، فإن هدفي هو بناء علامة تجارية تجمع بين الطموح والقرب من الناس؛ تجتمع فيها الثقافة والقيمة الفردية، والجماليات المعاصرة بطريقة تحمل مغزى وتؤدي رسالة.

جاء قراري بتحويل شغفي الإبداعي إلى مشروعات منظّمة -الفتون ماركتنج والفتون بيوتي ومخبز الفتون وAt Alftoon’s وDesigned by Alftoon وAlftoon outfits- من رغبة في تقديم شيء مستدام ومؤثر. كان الإبداع دائمًا جزءًا من شخصيتي، ولكن تحويله إلى مشروع تجاري منحه هيكلًا ورسالة وانتشارًا. أردت أن أُثبت أن الشغف عندما يقترن بالاستراتيجية والانضباط يمكن أن ينمو ليصبح عملاً مستدامًا يضيف قيمة؛ ليس لي فقط، بل للمجتمع من حولي.

أدت ثقافة قطر وتراثها دورًا كبيرًا في رسم معالم هذه الرحلة. فالبلد يوفّر أساسًا قويًا للجيل الجديد من روّاد الأعمال. هناك كذلك إحساس عميق بالهوية والفخر والصمود متجذّر في تقاليدنا. وعندما يمتزج ذلك بالابتكار والانفتاح على العالم، يتكوّن روّاد أعمال لديهم جذور متأصلة وفي الوقت ذاته يتطلعون إلى المستقبل، أفراد قادرون على سرد قصص محلية برؤية عالمية، مع الحفاظ على أصالتهم والبقاء أوفياء لهويتهم.

لا شك أن الطريق لم يكن خاليًا من العقبات. فالتميُّز في عالم رقمي سريع التطور وقائم على التنافسية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على الأصالة والهوية، أمر يتطلب جهدًا كبيرًا. ويتعين على رائدات الأعمال اليوم الموازنة بين التوجهات العالمية والارتباط بالتقاليد المحلية، وهو عمل يحتاج إلى قدرة على التكيف ووضوح في الرؤية.

لكن في الوقت ذاته، نحن محظوظات للغاية بوجود منظومة دعم فعالة تسهم فيها المبادرات الحكومية وتوفُّر الموارد والسوق سريعة النمو التي تشجع على الابتكار.

رسالتي لأي شابة في قطر تحلم بإطلاق مشروعها: "آمني برؤيتك، وثقي برحلتك، حتى ولو بدا الطريق غير واضح لكِ. لا تخافي من استغلال الفرصة السانحة، بل واصلي التعلُّم، وعرّفي النجاح بمعاييرك أنتِ، فالتحديات جزء من رحلة النمو، وليست إشارات للتوقف. أبقي على طبيعتكِ.. وأبقي منضبطة".

منى خالد البدر، فنانة معاصرة

استكشاف الهوية من خلال الفن البصري المعاصر

Muna.jpg

"للوهلة الأولى، تبدو تقنية المعلومات والفنون عالمان متباعدان، إلا أنهما في نظري يجمعهما ارتباط عميق. فقد عودتني خبرتي في تقنية المعلومات على التفكير المنهجي وحل المشكلات والاهتمام بالبنية والتفاصيل. أما الفن، فيمنحني مساحة لكسر القواعد والشعور بالحرية وسرد القصص بصريًا. وعندما يتلقى هذان العالمان، أجد توازُني، فالتكنولوجيا تضيف عنصر الانضباط إلى عملي الإبداعي، بينما يضفي الفن طابعًا إنسانيًا على تفكيري التقني.

بمرور السنوات، أصبح اللون الأزرق لغتي البصرية الخاصة. فهو لون يرمز إلى العمق والهدوء والتأمل الداخلي. وهو لون البحر والسماء والذاكرة، تلك العناصر التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة قطر وتراثها. يمنح الأزرق أعمالي الفنية مساحة للتنفُّس، ويدعو المشاهد إلى الدخول في حالة من التأمل دون إرباكه أو تشويشه.

في رأيي، لا تشكل الهوية الثقافية قيدًا، بل هي أساس يُبنى عليه. فأنا أستلهم الأفكار من السرديات والرموز والمشاعر المحلية المتجذرة في تراثي، وأعيد صياغتها برؤية معاصرة. ولكنني في الوقت ذاته أظل مرتبطة بجذوري.

التجريب عنصر أساسي، وهو ما يحفظ لأعمالي حيويتها وارتباطها بما حولها. وعندما تكون وراء العمل نية صادقة ومحترمة، يحدث التوازن تلقائيًا.

منحني عرض أعمالي دوليًا منظورًا مختلفًا. فقد جعلني أقدّر مدى خصوصية المشهد الفني في قطر، وكذلك إدراك حجم إمكانياته للبروز على الصعيد العالمي. فمشاهدة الجمهور في الخارج يتفاعل مع أعمالي، رسّخ لديّ فكرة أن القصص المحلية بإمكانها أن تجد لها صدى خارج حدود موطنها. وشجعني كذلك على الشعور بمزيد من الثقة في عرض السرديات القطرية على المنصات الدولية.

رسالتي للفنانات الشابات الساعيات إلى اكتشاف بصمتهنّ في المشهد الفني اليوم: "خذي وقتك، فصوتك لن يتشكل بين ليلةٍ وضحاها، بل هو عمل يُبنى من خلال التجريب والفشل والاستمرارية. لا تنجرفي وراء الصيحات، بل ركزي على ما يُحركك من داخلك. وتعلّمي القواعد، ثم اكسريها بوعي. والأهم من ذلك كله، احتفظي بفضولك وانضباطك. فالموهبة تفتح الباب، ولكن الالتزام هو ما يبقي الباب مفتوحًا".

ندى السليطي، مؤسِّسة علامة هيرات للمجوهرات

حفظ التراث من خلال الحرفية المعاصرة

Nada.jpg

"شكّلت قطر منظوري للجمال. فالبلاد هنا هادئة وقوية في الوقت ذاته، وهذا التوازن هو مصدر إلهام تصاميمي. فالصحراء تعلمني الصبر، والبحر يذكّرني بالحركة والتواصل. ثقافتنا كذلك غنية بالقصص والروابط العائلية والتقاليد العريقة، وهي العناصر التي تجد طريقها طبيعيًا إلى الظهور في أعمالي. تلهمني اللحظات اليومية والذكريات والمشاعر التي ترسم شكل الحياة في قطر، وتلك المشاعر غالبًا ما تكون نقطة البداية لأي تصميم.

كثيرًا ما يتساءل الناس عن كيفية موازنتي بين التقاليد والتصاميم العصرية في مجوهراتي. بالنسبة لي، التراث ليس شيئًا جامدًا، بل عنصر حي ومتجدد. والمهم هنا هو فهم معناه الحقيقي قبل إعادة تصميمه. أما أنا، فلا أهدف عمدًا إلى المزج بين القديم والجديد، بل أركز على القصة الكامنة وراء كل قطعة، فالقصة هي ما تضيء الطريق للتصميم.

ما أسعى إلى أن يشعر به الجمهور في مجوهراتي هو التواصل والدفء. فكثير من القطع التي أقدمها ترتبط بلحظات شخصية؛ من حب واحتفال وعائلة وذكريات. فالمجوهرات قادرة على الاحتفاظ بالمشاعر بهدوء. وهدفي أن تبدو كل قطعة بطابع شخصي فريد، وكأن من ترتديها تبني معها رابطة تدوم.

يتطور المشهد الفني اليوم في الدوحة تطورًا واعيًا، إذ يزداد عدد المصممين والفنانين الذين يعبّرون بثقة عن هويتهم وثقافتهم ويتمسكون بهما. فهناك إحساس عميق بالاهتمام في الأعمال التي يُنتجونها، مما يهيّئ فضاءً إبداعيًا يقدّر الجودة والمعنى أكثر من السرعة.

أرى مستقبلاً واعدًا بالازدهار لمصممي المجوهرات في قطر، وخصوصًا لمن يركزون على الأصالة والحرفية. فأعداد من ينجذبون إلى القطع ذات المعنى ومتقنة الصنع بدلاً من الاهتمام بالصيحات العابرة آخذ في التزايد. وأتمنى من خلال هيرات أن أُسهم في دعم هذا التوجّه، لأبيّن أن المجوهرات القطرية يمكن أن تكون شخصية وراقية وتحظى بتقدير عالمي، مع الحفاظ على جذور هويتها في الوقت نفسه.

بالنسبة لي، يمثّل اليوم العالمي للمرأة تذكيرًا بالقوة التي نجدها في الاستمرارية والإيمان. وكوني امرأة في هذا المجال علّمني أن أثق برؤيتي وأسير بالإيقاع المناسب لي. أتمنى أن تُلهم رحلتي الشابات لاتباع حدسهن الإبداعي، وتقدير قصصهن، والإيمان بأن ثمة مكانًا لأصواتهن؛ ليس في قطر فحسب، بل أبعد من ذلك بكثير".

شيخة علي المري، ناشطة اجتماعية

تمكين الشباب من خلال التحول الرقمي

Shaikha.jpg

"من أهم الدروس التي تعلمتها أن الشباب ليسوا "موردًا للمستقبل"، بل هم قوة حاضرة ومؤثرة في الحاضر.

وعندما يُمنح الشباب الثقة، ويُزوَّدون بالأدوات، ويُشرَكون بجدية في دوائر صنع القرار، فإنهم يضفون وضوحًا وشجاعة وإحساسًا عاليًا بالمسؤولية تجاه النتائج بعيدة المدى. وفي مجالَي العمل الحكومي والدبلوماسي، رأيت أن الشباب يقودون التغيير بأعلى فاعلية عندما يُمنحون مساحة للتعبير عن أنفسهم والمساءلة في الوقت ذاته. فقوتهم تكمن في قدرتهم على ربط القيم بالعمل، وليس فقط التساؤل حول فاعلية الأنظمة، بل تحسينها عمليًا.

في قطر، يتجاوز التحول الرقمي حدود البنية التحتية ليصل إلى كيفية توظيف التكنولوجيا لتحسين جودة الحياة، وتعزيز كفاءة المؤسسات، ودعم النمو الشامل. يجب ألا يقتصر دور الشباب المهنيين على التنفيذ فحسب، بل أن يكونوا مفكرين في السياسات، ومصممين ومقيّمين لهذا التحول. فدورهم هو ضمان أن يظل ذلك التحول الرقمي متمحورًا حول الإنسان ومتسقًا مع رؤية قطر الوطنية 2030، خاصة في مجالات مثل الشمول الرقمي والابتكار وتقديم الخدمات العامة.

نحتاج في منطقة الخليج إلى إعطاء الأولوية للسياسات التي تسد الفجوة بين التعليم والمشاركة الاقتصادية الواقعية، لا سيما في مجالات الاستدامة والتكنولوجيا والقطاعات المستقبلية. ولا يقل أهمية عن ذلك توفير مسارات تمكّن الشباب من الانخراط في جهود الحوكمة والحوار الإقليمي والتعاون الدولي. لا يقتصر تمكين الجيل القادم على الاستثمار في المهارات فحسب، بل في الثقة أيضًا، أي بناء أنظمة تتيح للشباب الإسهام في صياغة السياسات وتعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم التنمية طويلة الأمد.

وبصفتي أول امرأة قطرية تنضم إلى قسم السياسة والصحافة في وفد الاتحاد الأوروبي، فإن رسالتي إلى الشابات القطريات هي: "هويتكن ليست قيدًا، بل مصدر قوة. فالمرأة القطرية تحمل عمقًا وذكاءً ثقافيًا، وبوصلة أخلاقية واضحة في مجال الخدمة العامة. ويحتاج العمل الدبلوماسي والحكومي إلى سيدات واثقات بقيمهن وملتزمات بالتميّز ولا يخشين القيادة بكفاءة وتعاطف.

آمنّ بأنفسكن، وعبّرن بوضوح، وثِقن بأن إسهامكن مؤثر، لأنه مؤثر فعلًا".

حنان محمد العمادي، مذيعة تليفزيونية

تشكيل الحوار والتعبير في الإعلام القطري الحديث

Hanna.jpg

"من أكثر التحوّلات إلهامًا التي شهدتها في المشهد الإعلامي الانتقال من الحضور المحدود إلى القيادة كاملة. فاليوم، لم يعد حضور المرأة القطرية مقتصراً على الظهور عبر الشاشات، بل أصبحت صوتًا مؤثرًا وصانعة قرار في مجالات التلفزيون والصحافة والمنصّات الرقمية. وقد تزامن هذا التقدم مع توجّه وطني واضح وطموحات رؤية قطر الوطنية 2030 التي فتحت المجال أمام المرأة للإسهام بفاعلية في الخطاب العام.

التقيت خلال مسيرتي المهنية بالعديد من الشخصيات المميّزة؛ من رموز مجتمعية إلى قيادات وطنية. وكل شخصية تركت في نفسي أثرًا مختلفًا وعميقًا؛ أخلاقيًا وثقافيًا واجتماعيًا. وإذا كان عليّ أن أذكر ما يظل الأقرب إلى قلبي، فسيكون برنامج نزهة العقول، فرغم أنه تم تصويره في عام 2019، إلا أنني أتذكر كل تفاصيله وكل حوار دار مع الضيوف.

تُعدّ وسائل الإعلام أداةً بالغة التأثير في التغيير الاجتماعي ، فهي تُشكّل آراء الناس، وتُصقل قيمهم، وتُحفّز الجماهير على العمل . كما أنها تُعلي الأصوات، وتُواجه أنظمة السلطة السائدة، وتُسرّع من وتيرة الوعي الاجتماعي من خلال سرعة انتشار المعلومات.

ومن مسؤوليتنا كإعلاميين أن نستخدم هذا التأثير بحكمة. لقد قطع الإعلام القطري خطوات مهمة إلى الأمام، مقدّمًا محتوى يحترم هوية المجتمعات العربية المحافظة في ظل الانفتاح الذي نعيشه.

في اليوم العالمي للمرأة، رسالتي إلى الشابات في قطر والمنطقة بسيطة وواضحة: "أنتن روح التقدّم؛ فقد أثبتُّنَّ للعالم قوتكُنَّ، وعزيمتكُنَّ، وقدرتكُنَّ العالية على الإبداع والتميز في كافة الميادين. إنَّ نجاحكُنَّ في تربية الأجيال، وتبوُّؤكُنَّ أعلى المناصب يجعلكُنَّ مصدر فخر وإلهام، ومثالاً يحتذى به في التنمية والاستقرار".

Saif Osman Social Media Manager QIC
كتب المقال سيف عثمان